محمد جمال الدين القاسمي
384
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
سبحانه وتعالى . ولكن في هؤلاء من يقول : المعدوم ليس بشيء أصلا ، وإن سمي شيئا باعتبار ثبوته في العلم ، كان مجازا . ومنهم من يقول : لا ريب أن له ثبوتا في العلم ووجودا فيه ، فهو باعتبار هذا الثبوت والوجود هو شيء وذات . وهؤلاء لا يفرقون بين الوجود والثبوت . كما فرق من قال : المعدوم شيء . ولا يفرقون في كون المعدوم ليس بشيء بين الممكن والممتنع ، كما فرق أولئك . إذ قد اتفقوا على أن الممتنع ليس بشيء وإنما النزاع في الممكن . وعمدة من جعله شيئا ، إنما هو لأنه ثابت في العلم ، وباعتبار ذلك صح أن يخص بالقصد والخلق والخبر عنه والأمر به والنهي عنه ، وغير ذلك . قالوا : وهذه التخصيصات تمتنع أن تتعلق بالعدم المحض . فإن خصّ الفرق بين الوجود الذي هو الثبوت العينيّ ، وبين الوجود الذي هو الثبوت العلميّ ، زالت الشبهة في هذا الباب . وقوله تعالى إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ النحل : 40 ] ذلك الشيء هو معلوم قبل إبداعه وقيل توجيه هذا الخطاب إليه . وبذلك كان مقدرا مقضيا . فإن الله سبحانه وتعالى يقول ويكتب مما يعلمه ما شاء . كما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمر وقال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة » « 1 » . قال : وعرشه على الماء . و في صحيح البخاريّ عن عمران بن حصين عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء ، وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق السماوات والأرض » « 2 » . و في سنن أبي داود « 3 » وغيره عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : إن أول ما خلق الله القلم ، فقال
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في صحيحه في : القدر ، حديث 16 . ( 2 ) أخرجه البخاريّ في : بدء الخلق ، 1 - باب ما جاء في قول اللّه تعالى : وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ . ونصه : عن عمران بن حصين رضي اللّه عنهما قال : دخلت على النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم . وعقلت ناقتي بالباب . فأتاه ناس من بني تميم . فقال « اقبلوا البشرى يا بني تميم » قالوا : قد بشرتنا فأعطنا . مرتين . ثم دخل عليه ناس من أهل اليمن . فقال « اقبلوا البشرى يا أهل اليمن ، إذ لم يقبلها بنو تميم » فقالوا : قد قبلنا يا رسول اللّه . قالوا : جئناك نسألك عن هذا الأمر ؟ قال « كان اللّه ولم يكن شيء غيره . وكان عرشه على الماء . وكتب في الذكر كل شيء . وخلق السماوات والأرض » . فنادى مناد : ذهبت ناقتك يا ابن الحصين . فانطلقت فإذا هي يقطع دونها السراب فو اللّه ! لوددت أني كنت تركتها . ( 3 ) أخرجه أبو داود في : السنة ، 16 - باب في القدر ، حديث 4700 .